الخطيب البغدادي
47
تاريخ بغداد أو تاريخ مدينة السلام ( تحقيق بشار )
ستر يرى الناس من ورائه ولا يرونه ، وأبو الخصيب حاجبه قائم يقول : يا أمير المؤمنين ، هذا فلان الخطيب ، فيقول : اخطب ، ويقول : هذا فلان الشاعر ، فيقول : أنشد حتى كنت آخر من بقي ، فقال : يا أمير المؤمنين ، هذا ابن هرمة ، فسمعته يقول : لا مرحبا ولا أهلا ، ولا أنعم الله به عينا ، فقلت : إنا لله وإنا إليه راجعون ، ذهبت والله نفسي ، ثم رجعت إلى نفسي ، فقلت : يا نفس هذا موقف إن لم تشتدي فيه هلكت ، فقال أبو الخصيب : أنشد ، فأنشدته : سرى ثوبه عنك الصبي المتخايل وقرب للبين الخليط المزايل حتى انتهيت إلى قولي : له لحظات في خفاء سريرة أذاكرها فيها عقاب ونائل فأما الذي أمنته يأمن الردى وأما الذي حاولت بالثكل ثاكل فقال : يا غلام ، ارفع عني الستر فرفع ، فإذا وجهه / كأنه فلقة قمر ، ثم قَالَ : تمم القصيدة ، فلما فرغت منها ، قَالَ : ادن فدنوت ، ثم قَالَ : اجلس فجلست وبين يديه مخصرة ، فقال : يا إبراهيم قد بلغتني عنك أشياء لولا ذلك لفضلتك على نظرائك فأقر لي بذنوبك أعفها عنك ، فقلت : هذا رجل فقيه عالم ، وإنما يريد أن يقتلني بحجة تجب علي ، فقلت : يا أمير المؤمنين ، كل ذنب بلغك مما عفوته عني فأنا مقر به ، فتناول المخصرة فضربني بها ، فقلت : أصبر من ذي ضاغط عركرك ألقى بواني زوره للمبرك ثم ثني فضربني ، فقلت : أصبر من عود بجنبيه جلب قد أثر البطان فيه والحقب فقال : قد أمرت لك بعشرة آلاف درهم ، وخلعة ، وألحقتك بنظرائك من